الأستاذ والتربوي القدير/ عمر بن سهيلان لـ" أخبار التربية":
غرفة المعلمين في أربعينيات القرن الماضي ملتقى النخبة المتعلمة والمثقفة
لقاء :
صالح الفردي ووليد التميمي
غرفة المعلمين.. منتدى تربوي شهدته مدينة المكلا منذ زمن بعيد.. تجمعٌ شهد العديد من الأنشطة والفعاليات والمحاضرات، وتبادل الرؤى والأفكار في أربعينيات القرن المنصرم.. وقد جاء ملبياً لحاجة المعلمين ومن يقترب منهم – ثقافة ووعياً- من منتسبي القطاعات الأخرى في تلك الفترة.
واستمرت سيرته العطرة حتى بداية العقد السابع من القرن الماضي.. حينها ظل هذا النشاط والعمل الطوعي يأخذ مجالات واتجاهات شتى.. إلا أن الرواد التربويين المؤسسين لهذا العمل الثقافي والرياضي والاجتماعي ظلوا على لقاءاتهم.. وتجمعهم الأسبوعي كلما عنَّ لهم ذلك.. وهو ما برز بقوة عندما تعرض التربوي القدير الراحل/ صالح عبد الله اليماني لوعكة صحية ألزمته فراش المرض فكان لقاء الأحد والأربعاء من كل أسبوع في منزله حتى رحيله.. ومنه انبثقت العديد من الأفكار والمشاريع التي أسهمت في تطور العمل التربوي والصحي بالمحافظة.. وقد توجت هذه المبادرات بتأسيس الجمعية المساندة للتربية والصحة بالمحافظة.. الجمعية التي يرأسها الدكتور/ محمد عبد الله بن ثعلب مارست نشاطها بفعالية ودون كلل، فانتقلت اللقاءات لثلة الرواد إلى مقر الجمعية بمنطقة الشرج صباح كل يوم اثنين.. ومن هنا حاولنا جاهدين أن نقتفي اثر هذه التجربة الثرية "غرفة المعلمين" لجيل غرس ولم يجن، وقدم ولم يأخذ.. بتجرد ونكران للذات، وفي هذه العجالة نضع قراء (أخبار التربية) أمام هذا الزمن والعطاء النبيل وإليكم الحصيلة، التي سبق نشرها قبل سنوات في صحيفة (المسيلة) تعميماً للفائدة..
ففي صبيحة يوم اثنين وتحديداً في مقر الجمعية المساندة للتربية والصحة بالمكلا كان لنا هناك لقاء ذو شجون وعبر مع كوكبة من الشخصيات الاجتماعية والتربوية المخضرمة.. الذين تجمعوا لتجاذب أطراف الحديث والنبش في ذاكرة زمن رحل منذ عقود لكن بقيت ملامحه محفوظةٌ وراسخةٌ في الوجدانِ، زملاءُ الطفولة البريئة.. رفاق الدرب.. رجالات مرحلة الثقافة والفكر والتنوير، نماذج الصبر والتحدي والكفاح وفنون النحت على الصخر وقهر الصعاب وتحدى المستحيل ومقارعة المحال.. أبوا هذه المرة إلا أن يخوضوا غمار تحدٍ جديد لمشروع هدفه الحيلولة دون التأثر بخطوب الزمان والظروف الصعبة، فلم يعيق غالبيتهم كبر السن، ولا ضعف الحال ونحالة الجسد، ولا حتى صعوبة السير وبطء الحركة والمشي بالاعتماد على العكاز على التقدم خطوات رصينة في اجتيازها فرصة معايشة ذكريات ماضٍ جميل، مازالت إشراقة شمسه تتلألأ في سمائنا إلى اليوم.. ووسط هذه الأجواء المفعمة بالمظاهر الأخوية والاجتماعية والمشاعر الإنسانية الجياشة التقينا بالأستاذ، الشيخ عمر محمد بن سهيلان الشخصية الاجتماعية المعروفة التي ما أن تسنح لك الفرصة بالالتقاء به حتى تشعر أنك بحق أمام هامة سامقة تتمتع بصفات قيادية، وشخصية تقنعك بأحاديثها وصوابية نهجها، وحيادية مواقفها.
بدورنا سألنا الشيخ/ بن سهيلان عن غرفة المعلمين التي كانت تعد في حقبة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي محفلاً يضم بين جنباته وأركانه المختلفة شريحة من أهم شرائح المجتمع.. فكرة إنشاء الغرفة من أين انبثقت؟ وما أهدافها؟ طبيعة النشاط الممارس فيها؟ التطورات والمراحل المختلفة التي شهدتها؟ فرد قائلاً..
"غرفة المعلمين فكرة انبثقت من إدارة المعارف للسلطنة القعيطية سابقاً التي رأت ضرورة أن يكون للمعلمين نادٍ خاص بهم.. يجمعهم بهدف قضاء أوقات الفراغ بعيداً عن المقاهي والأندية الأخرى، كما كان للغرفة نشاط ثقافي يتمثل في المكتبة التي تحتوى على كتب أدبية، علمية وثقافية متنوعة للقراءة وكذلك الاطلاع على محتويات الصحف الصادرة آنذاك من بينها الصحف المصرية (المصري، روز اليوسف وآخر ساعة)، ممارسة الألعاب الرياضية ككرة الطاولة والألعاب المسلية كالدمنة ولعب الورق والشطرنج.
وعن كيفية الانخراط والمشاركة في نشاط "غرفة المعلمين"؟ أضاف قائلاً.. مساءلة الانخراط والمشاركة في الغرفة كانت حقاً مشروعاً لكل من هو معلم من مدينة المكلا أو خارجها.. وحقيقة أن جلسات المقاهي آنذاك كان لا يستسيغها الجميع من مدرسين وإدارة التربية وحتى المجتمع الذي لا يحبذ جلوس المعلم في المقاهي حينذاك.. وعلى الرغم من محدودية هامش اندماج المعلم بالمجتمع إلا أنه كان موضع استشارة، ومحط أنظار.. أقصد رغم انعزالهم "الاقتناعي".. هذا مع العلم أنه كان هناك اندماج واضح المعالم بين المعلم وشرائح المجتمع المختلفة من خلال الحرص المتبادل على تأدية الواجبات، والمشاركة في المناسبات كالأعراس والأفراح، والعمل على توطيد وشائج العلاقات الاجتماعية ولإنسانية العامة.
وعن فلسفة العمل التربوي بإدارة المعارف سابقاً التربية والتعليم حالياً أجاب:
فيما يخص فلسفة المعارف والتربية والتعليم آنذاك نستطيع القول أن إدارة المعارف تسمية كانت سائدة في بلدان عربية أخرى كالسودان والسعودية ومصر.. كان الناس يعتقدون أن المدرسة تعني العلم والمعرفة.. إلا أن المفهوم تطور بعد ذلك بظهور المدرسة الحديثة وبقدوم الشخصية التربوية والاجتماعية الذي تولى سكرتارية السلطنة فيما بعد (الشيخ القدال سعيد القدال) كان التأكيد آنذاك على أن الطالب بحاجة ليس للتعليم فحسب وإنما لممارسة "نشاط لا صفي" وهو جزء وركن أساسي في التربية.. كتأسيس جمعيات وكيفية إدارتها، تبيان أهمية التعاون وتحمل المسؤولية، ومن الجمعيات المشكلة في ذلك الوقت الجمعية (الصحفية- صغار المزارعين- الدواجن).. الخ، وتوضيح وسائل إدارتها وتسيير شئونها، لذلك تحولت: التسمية بعد ذلك إلى وزارة التربية والتعليم وانتقلت بالتالي إلى مختلف الدول.
وأضاف الشيخ بن سهيلان:" أنه في ذلك الوقت كان يوجد لدى المجتمع أوقات فراغ لا تلفزيونات ولا وسائل ترفيه ولهو.. لهذا كان المدرس بحاجة للقاء مع الطلاب.. فكانت حلقات النشاط التي يتم خلالها اللقاء في فترة العصر.. كانت ذا طابع رياضي وثقافي واجتماعي، وبهدف تهيئة المواقع لممارسة الألعاب الرياضية في أماكن مناسبة كان الاعتماد السائد على المبادرات التطوعية.
وقد سألناه عن الموقع الذي احتلته غرفة المعلمين فرد قائلاً:
فيما يخص مقر الغرفة كان أولاً في دار المحاضير، وانتقلت بعد ذلك إلى المدرسة الشرقية، ثم عادت مجدداً إلى دار المحاضير، وبإمكاننا القول أن هذا التجمع كان مركزاً للمعلمين وزملائهم- ويمثل في مجملة نشاط ثقافي واجتماعي يجمع الكل في هذه الغرفة، وإلى مطلع الستينيات كانت الغرفة ما تزال تمارس نشاطها.. هذا مع العلم أن معظم مؤسسي (النادي الثقافي) بعد ذلك هم من المعلمين المنخرطين في غرفة المعلمين من قبل.. وكان الانخراط والمشاركة في غرفة المعلمين آنذاك غير ملزم على المعلم الذي لا يدفع بدوره أي اشتراكات أو مبالغ مالية.. إنما الدولة كانت تتكفل بتوفير المبنى وتجهيزه، وكذلك دفع تكاليف الكهرباء والماء وراتب عامل الخدمات (المراسل) الخاص بالغرفة بينما تتكون هيئة إدارة الغرفة من (رئيس الغرفة والسكرتير ومدير الأعمال)، ومن الهيئات التي تولت قيادة غرفة المعلمين من عام 1960- 1962م..
الأستاذ/ سالم عبد اللاه الحبشي رئيساً
الأستاذ/ صالح عبد الله اليماني نائب للرئيس
الأستاذ/ أبوبكر علي باسعد مديراً مالياً
الأستاذ/ أحمد سعيد باحبارة مديراً ثقافياً
الأستاذ/ علي محمد بن عثمان مدير العلاقات
وعلى الرغم من إطلاق الحريات.. إلا أن الغرفة بقيت على ما هي عليه، بالنسبة للمحاضرات في الغرفة كان يشارك فيها أشخاص من غير المعلمين، كما كانت تعقد الندوات، وتعرض أحياناً بعض الأفلام الثقافية.. باختصار الغرفة حافظت على هوية المعلم، وثقافته، ولغته الخاصة وتطلعاته وتوجهاته، كما إنها- الغرفة- كانت بمثابة ملتقى النخبة المتعلمة والمثقفة بالمحافظة.
وعن آلية اختيار إدارة الغرفة، أكد الشيخ/ بن سهيلان.. العملية كانت مرتبطة بالانتخابات التي تجرى كل سنتين لاختيار الطاقم الذي يدير شئون الغرفة كما أشرت مسبقاً رئيس وسكرتير ومدير أعمال.. يمارسون مهامهم بشكل طوعي من بعد المغرب إلى العشاء، وفي أيام وأوقات الإجازات الدوام يكون من الفترة الصباحية، ومنتسبوا الغرفة كانوا من محدودي الداخل ورواتبهم ضئيلة.. بالتالي فهم لا يقدرون على دفع تكاليف الاشتراك في نوادي ثقافية أخرى، وسميت غرفة لأنها تعد تجمعاً لقطاع معين في المجتمع.. يمارسون فيها نشاطهم العلمي والثقافي، ومن أبرز من تولوا إدارة الغرفة الأساتذة الإجلاء.. عبد القادر باحشوان، صالح عبد الله اليماني، ود/ محمد عبد القادر بافقيه.
في ختام اللقاء عزيزي القارئ نود التأكيد على أننا سنحاول خلال الإعداد القادمة من "أخبار التربية" تسليط الضوء على فعاليات النادي الثقافي الذي شهدت نشاطه الزاخر محافظة حضرموت في ستينيات القرن المنصرم.








