وليد التميمي
اليمن حضرموت
صندوق أعمار حضرموت ولغز الولادة المتعسرة

 

 

أحواض العيقة تحولت إلى(منتجع)للبعوض والخور (حقل)لتصريف المجاري

وليد محمود التميمي

أفرزت تداعيات الكارثة الطبيعية التي حلت بمدن وقرى محافظة حضرموت، في أكتوبر العام الماضي، واقع مأساوي مرير، وفرضت على المواطنين التكيف مع المستجدات الطارئة، وأجبرت غالبيتهم العظمى على تغيير مجرى حياتهم و التقيد بقواعد تسيير نشاطهم اليومي  وتؤمن سبل تصريف شؤونهم المعيشية الصعبة.

الحال في عاصمة المحافظة المكلا صار بمثابة المرآة التي تعكس بؤس المشهد، وهشاشة الأوضاع على الأرض، التي تفاقم تدهورها بعد انهمار قطرات الغيث على المدينة مؤخراً لتزيد الطين بله، ولتعكر ما بقي من صفو الحياة في مدينة بات لزاما على من  يجترون الخطى سيراً على الأقدام في شوارعها، التنهد بعمق قبيل مغادرة سكانهم أو موقع عملهم أو مرفقهم الوظيفي، مبتهلين للمولى عز وجل بالدعاء، ليجنبهم المخاطر التي تتربص بتحركاتهم، ويعينهم على اجتياز خطوط وممرات مشوارهم الاعتيادي بسلام؛ دون الوقوع في الحفر والسقوط في البرك والغرق في أحواض المجاري المفتوحة على امتداد الطرقات التي زلزلتها مياه السيول والأمطار، قبل ثلاثة أشهر.

 فترة زمنية كانت كافية لإثبات عدم التزام الحكومة بتعهداتها بإعادة أعمار البنية التحتية؛ وفي مقدمتها الطرقات وخطوط المواصلات المعبدة التي تركت على حالها بعد أن التهمتها الفيضانات، تاركة بصماتها في كل بقعة من بقاع المكلا التي تحولت بين عشية وضحاها بعد الكارثة من مدينة إلى قرية نائية، عزلت أطرافها وحوصرت ضواحيها وقطعت أوصال مداخلها الرئيسية.

 فمن منطقة شحير إلى الريان وصولاً إلى المكلا، ومن ميفع إلى فوه على امتداد الخط البري المؤدي إلى عدن؛ تبرز أطلال جسور هدمت، وأعمدة إنارة اقتلعت أو قصفت، وممرات إسفلتية قضمت، أو انحرفت مساراتها، وصارت أفخاخاً وكشفت عن أنفاق مطمورة تترصد حركة السيارات ومركبات النقل، وتتحين فرص الانقضاض على أرواح المشاة والمارة.

وفي قلب العاصمة تحولت أحياء بأسرها إلى مناطق منكوبة تختنق بالركام والحطام، كالديس المحاصر بالمسطحات المائية العفنة المنتشرة في - منتجع البعوض- العيقة المغمور بمياه المجاري المتدفقة إلى الخور، ومحيط جسر الكتاب المتهالك، العائم تحت تيارات العيون المتفجرة المختلطة بالمستنقعات الضحلة، التي فتكت حممها بما تبقى من آثار لطرقات هلامية.

 حتى أمسى  حي أكتوبر العامر بالبساتين الخضراء والمسيج بأشجار الزرع الباسقة والنباتات اليانعة قبل سنوات خلت، منطقة جدباء قاحلة موحشة.

ومع استفحال المعاناة، فرض على الشخص الراكب على متن سيارة أن يحسب ألف حساب قبل نيته اقتحام( مضيق المليون مطب وحفرة) الممتد من الخط المحاذي لمقهى الشوق ببجعمان مروراً بدوار محطة أكتوبر انتهاء بجولة ملعب بارادم، فالمشوار الذي كان يكلف خمس دقائق، صار انجازه يتطلب أضعاف الوقت،  ومن الطبيعي أن تتعرض المركبة لحظة تخطيه لإضرار فنية أو اعطاب هندسية، وقد تغرق في الوحل أو تسقط دولابيها في إحدى فوهات المجاري الطافحة المفتوحة شهيتها وما أكثرها!.

 بينما يستمتع سائقي الدراجات النارية بترنح أجسادهم صعوداً وهبوطاً في –القفقف-، كمن يمتطي ظهر حصان هائج أو يحاول ترويض جواد ثائر، وتسهم في تكثيف المأساة أنظمة السير المرورية التي غيبت وترك الحبل على الغارب لكل سائق هو وضميره!.

ويبقى المواطن العادي الراجل على قدميه الوحيد الحائز على إمكانية صبغ شعر الرأس بالغبار وطلاء أطرافه بالطين والأتربة؛ كلما أرغمه حظه العاثر على اجتياز الخطوط المبعثرة والمرور بمحاذاة الترع والأحواض المائية الراكدة أو الجارية، و لربما يجد نفسه  مجبراً في قادم الأيام على ارتداء الكمامات والملابس الواقية وشراء عدة السباحة عندما تدغدغه الرغبة في خوض مغامرة التمرغ في وحل مدينة (البندقية) الحضرمية، عروس البحر العربي، فينسيا الشرق، المكلا، التي يشتعل رأسها شيباً في عز صباها!.

فإذا كان هذا هو واقع الحال في أكبر مدن المحافظة، فما هو مصير القرى والمناطق المنكوبة البعيدة عن الأنظار واهتمام السلطة؟ فتشوا عن الجواب على السؤال (اللغز) داخل صندوق الأعمار، الذي لفظته الأقدار بعد ولادة متعسرة استغرقت 90 يوماً، وكأنه أنشئ لإغاثة متضررين في بلاد الواق واق وإعانة منكوبين في جزر القمر! وعلى قولهم ( دا له صندوق كي لكانت خزينة)؟.

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية