وليد التميمي
اليمن حضرموت
اليمن في تراث الشيخ حمد الجاسر

 

ندوة نظمتها مؤسسة الصندوق الخيري واتحاد  الأدباء والكتاب بالمكلا

الملاحي: المهاجرين الحضارم ساهموا في تغيير مجرى الحياة في بلدان الاغتراب وتطوير واقع وتشكيل حاضر الشعوب التي احتضنتهم

د. الشبيلي: كتاب البرق اليماني من أهم ما نشره وحققه الجاسر من تراث ذي صلة باليمن

د. الجعيدي: سقوط السلطنة الكثيرية الأولى في حضرموت مثل انتكاسة للمشروع السياسي الحضرمي في بداية العصر الحديث

د. الأنصاري: يشكك في حقائق التاريخ ويدعو إلى التدقيق في حيثياته

د. الضبيب: الزيارة عززت قنوات التواصل والارتباط  بين رفاق الحرف والقلم في اليمن والمملكة العربية السعودية

كتب/ وليد محمود التميمي
ضمن رزنامة الفعاليات الثقافية التي شهدتها مدينة المكلا احتفاءً بزيارة الوفد الثقافي السعودي لمحافظة حضرموت بدعوة من مؤسسة الصندوق الخيري للطلاب المتفوقين، أقيمت على قاعة مركز بلفقية الثقافي مؤخراً ندوة بعنوان( اليمن في تراث حمد الجاسر) نظمت بالتنسيق ما بين مؤسسة الصندوق الخيري واتحاد الأدباء والكتاب بالمكلا.

أربعة محاور ومداخلة تناولتها الندوة التي أدارها باقتدار د. عبد القادر سعيد باعيسى سكرتير اتحاد الأدباء والكتاب بالمكلا، ومهد لانطلاقتها باستعراض نبذه تعريفية عن المحاضرين وإصداراتهم ومؤلفاتهم ومشاركاتهم الخارجية.

الملاحي ومكونات الشخصية الحضرمية

الباحث والمؤرخ عبد الرحمن عبد الكريم الملاحي كان أول المتحدثين مشيراً إلى بدايات تتبعته وتمعنه في كتابات وإصدارات الشيخ حمد الجاسر التي اطلع على جانباً منها من زميله الأستاذ عبد الله صالح الحداد والمرحوم فاروق بن زيمة، وتناولت مادتها ودار مفهومها حول لقاءات الجاسر بالحضارم.

الملاحي أكد أن حضرموت ظلت محتفظة بتسميتها منذ كانت مملكة في القرن العاشر قبل الميلاد، الأمر الذي أثار سؤال.. لماذا بقيت حضرموت محتفظة بهذه التسمية رغم مضي قرون من الزمن شهدت تقلبات ومتعرجات تاريخية غيرت وجه المنطقة وطمست ملامحها؟.. الملاحي استعرض أدواراً من مساهمات المهاجرين الحضارم في تغيير مجرى الحياة في بلدان الاغتراب وشعوب حوض المحيط الهندي رغم قلة عددهم وصغر مساحة منطقتهم, مشيراً إلى أن باحثين عرب حاولوا جاهدين تحليل مكونات الشخصية الحضرمية التي تمكنت من تطوير واقع وتشكيل حاضر الشعوب التي احتضنتهم, مؤكداً في الوقت نفسه أن تاريخ حضرموت في الداخل لم تخلو صفحاته من محطات الصراعات والخلافات القبلية والمذهبية, الأمر الذي شكل بالإضافة إلى الظروف المناخية الصعبة (القحط والجفاف) عامل طرد سكان المنطقة ودافع من دوافع هجرتهم إلى الخارج, وتأقلمهم بعيداً عن ديارهم سببه تعلقهم بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وتمتعهم بالعلم، وتحليلهم بالسلوك المتزن والشخصية المنفتحة, فانتقلوا إلى كل بقاع المعمورة في شرق أفريقيا والجزر الشرقية والهند والصين حاملين نوازع الخير والدعوة إلى الإسلام بالموعظة والحكمة والقدوة الحسنة، فاشتهروا بصفات الأمانة والأدب والنبوغ العلمي والتفوق في سائر العلوم، والإجادة في فنون الاقتصاد والتجارة. فبرز العديد من العلماء منذ القرن التاسع الهجري دونت أسمائهم في مصنفات وكتب العلوم الشرعية والتفسير و الفقه والحديث واللغة والرياضيات والجغرافيا وعلوم الفلك، من بينهم عالم الفلك الحضرمي الشيخ بامخرمة والفلكي والفقيه الربان سليمان بن أحمد المهدي المعاصر للربان أحمد بن ناجه.

وفي التاريخ الحديث تمكن الحضارم من ترك بصماتهم في مختلف الفنون فبرز العديد من الشعراء ليقدموا نماذج شعرية رائعة، وفي فن كتابة القصة سطعت أسماء الكتاب صالح سعيد باعامر والحمومي وسالم بحرق، كما أن كتاب فن الرواية بدوا يتلمسون طريقهم. الملاحي أكد أن الزخم الثقافي والفكري والعلمي كون شخصية الحضرمي مما جعله أكثر انفتاحاً على الآخرين وتأثيراً في مجرى حياتهم.

الشبيلي واليمن في تراث حمد الجاسر

الباحث والإعلامي السعودي الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، الحاصل على شهادة دكتوراه في الإعلام 1971م، والذي أصدر أثنى عشر مؤلفاً في الإعلام والسير، وأسهم في تأسيس إذاعة وتلفزيون الرياض، وتولى منصب مدير عام التلفزيون ثم وكيل وزارة التعليم العالي، ثم عضو مجلس الشورى. أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود، وعضو المجلس الأعلى للأعلام.. استعرض محتوى الكتيب الذي أعده بمناسبة زيارة الوفد الثقافي السعودي إلى محافظة حضرموت وجاءت تحت عنوان.. اليمن في تراث حمد الجاسر (نماذج) مضمناً صفحاته مقال بعنوان مؤلفات وذكريات عن حضرموت كتبه العلامة حمد الجاسر قبل عام من وفاته, مؤكداً قوله رغم أننا مازلنا نلهث- يوماً بعد يوم- لاكتشاف أعمال حمد الجاسر والركض وراء رصد إنتاجه إلا أننا لم ندرك- بعد- كل آثاره بالرغم من صدور كتابين يضمان عناوين بعض أبحاثه ودراساته في حدود (4000) مدخل لا تشمل ما كتبه في مجلات "اليمامة" و"العرب" و"المجلة العربية".

متناولاً مقدمة تعرف بالعالم الذي قضى سبعة عقود من عمره في خدمة تراث الجزيرة العربية, حتى تضاءل نظره في مطالعة مخطوطاته، وتقوس ظهره في كتابة بحوثه, وبزغ نجمة في سماء العالم العربي بوصفه جغرافياً ومؤرخاً وباحثاً, ثم تخليه عن كل الوظائف الرسمية ليتفرغ للصحافة والطباعة والنشر والتأليف, فينشئ عام 1372هـ (1952م) أول صحيفة في الرياض وأول مطبعة فيها سنة 1374هـ (1955م), ويؤسس بعد خمسة عشر عاماً أول دار للترجمة والبحث (دار اليمامة 1389هـ/1966م), ويصدر مجلة "العرب" التي أكملت اليوم عامها الثاني والأربعين, ثم يمضي نصف عمره المتبقي (أي ما يقارب نصف قرن) متفرغاً للبحث والتأليف, والرحلات العلمية, ويطوف أرجاء العالم للبحث عن المخطوطات وزيارة أمهات المكتبات العالمية, فينشر (45) كتاباً من تأليفه, ويشرف على (17) كتاباً من تأليف آخرين, ويحقق (10) من كتب التراث. وقد خلف مجلدين سجل فيهما ذكرياته حتى مطلع الستينيات الميلادية( من سوانح الذكريات) (1427هـ -2006م, وقد نشر مجزأ في المجلة العربية), وكان من آثاره العظيمة: المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية, الذي ألفه وأسهم معه (5) آخرون, وتكون من (40) جزءاً, نصيب الجاسر منها معجمان عن شرق الجزيرة وشمالها الغربي.

ورصدت في المكتبة الخاصة للشيخ حمد الجاسر نحو (103) من أوعية المعلومات ما بين مخطوطة وكتاب وتقرير ورسالة, تتعلق باليمن بعامة أو بمحافظة حضرموت بخاصة. ولعل من أهم ما يتوافر فيها من مخطوطات يمنية هي كتاب: الإكليل للهمداني, وبضائع التابوت في تاريخ حضرموت للمفتي عبد الرحمن بن عبيد الله, والسفينة في نسبة بعض القاطنين في وادي حضرموت المبارك ومساكنهم للشهاب أحمد بن الحبيب العطاس, ومخطوطة أخرى بهذا الموضوع من تأليف عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف المتوفي عام 1375هـ (1955م), وكتابا: الجوهرتين المائعتين وصفة جزيرة العرب للهمداني, وكتاب قديم هو: العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية لعلي بن الحسن الخزرجي المتوفى عام 812هـ (1409م), وكتاب آخر قديم هو: قرة العيون بأخبار اليمن الميمون للزبيدي المتوفى عام 943هـ (1536م), وقد حققه الأكوع مطبوعاً في المطبعة السلفية.

وأشار الدكتور الشبيلي إلى أن الجاسر أصدر ثلاثة كتب دون فيها مشاهداته في رحلاته, فكان مما يلفت النظر عند استعراضها أنه تنفرج أساريره كلما مر على رف ذي صلة بحضارة اليمن وثقافته, أو مخطوط أو مرجع مهم من تراث جنوب الجزيرة العربية الغني بكنوزه المعرفية الأصلية, فنجده عندما زار "مكتبة الفاتيكان" عام 1400هـ (1980م) ينقل إلينا بعض ما فيها من مخطوطات, مثل: ديوان علي بن المقرب الذي خطه محمد بن سعيد بن صالح القلقيلي من (شهارة) في اليمن. وفي "مكتبة المجمع العلمي الإيطالي" يتوقف عند ثلاثة رفوف اشتريت مخطوطاتها من اليمن, ومنها: تاريخ صنعاء للرازي وصفة جزيرة العرب للهمداني, ثم يجد في جامع بومبي عام 1399هـ (1979م) مخطوطة كتاب: تاريخ اليمن للرازي وديوان الشاعر محمد بن حمير, فيمعن في وصفها. وفي كتابه: في الوطن العربي عن رحلاته, يخصص (22) صفحة لوصف مشاهداته في زيارته الأولى لليمن عام 1406هـ (1986م), فنراه يشبع نهمه في تتبع المخطوطات وزيارة المكتبات ولقاء أرباب التراث والتاريخ.

ولعل من أهم ما نشره وحققه الجاسر من تراث ذي صلة باليمن, هو كتاب: البرق اليماني, وهو كتاب في تاريخ اليمن في القرن العاشر الهجري متضمناً أخبار غزوات الشراكسة والعثمانيين التي عاشها مؤلف الكتاب عالم مكة العدني الأصل قطب الدين محمد بن أحمد النهر والي, ولا يكتمل الحديث عن هذه المنطقة في كتابات حمد الجاسر, دون الإشارة إلى أحد أبنائها (عبد الله بلخير المولود في حضرموت عام 1913م) وعلاقة المد والجزر التي سادت بينهما منذ أيام دراستهما معاً في "المعهد السعودي" و"مدرسة الفلاح" في مكة المكرمة, أوائل الثلاثينات الميلادية من القرن الماضي.

تتبع سوانح ذكريات الجاسر

ويؤكد الدكتور الشبيلي أنه من خلال تتبعه لسوانح ذكريات الجاسر التي صدرت في جزأين عام (2000م) وجد أنه يتحدث كثيراً عن علاقته المتذبذبة مع عبد الله بلخير, وارتباطه بالشاعر والروائي الحضرمي (الولادة) الملكي (النشأة) القاهري (الإقامة) علي أحمد باكثير والعالم اليمني عبد الله بن مبارك أبن بشير وترجم له, والقاضي اليمني محمد علي الشوكاني, ومقاول يمني مشهور يدعي سعيد بن علي الأصبحي, الذي قام بإنشاء كثير من الدور في الرياض, ومنها "مبنى بلدية الرياض" فذكر أفضاله في مساعدة الطلاب وإصلاح ذات البين.

منوها إلى أن مجلة"العرب" تطرقت لليمن في مادة مقال تاريخي مطول كتبه الجاسر بعنوان: "الصلات بين الدرعية وصنعاء, في أثناء قيام الدولة السعودية".

كما نشرت في مجلة "العرب" خلال الخمسة والثلاثين عاماً من عمرها في ظل حياة مؤسسها (حمد الجاسر) موضوعات كثيرة تفيد الباحث في موضوع اليمن, كتلك التي تحدثت عن "طرق المواصلات القديمة في بلاد العرب" للدكتور العراقي صالح أحمد العلي, أو التي تطرقت إلى قبائل الطائف (من تقديم حمد الجاسر) أو إلى قبيلة جهينة (من كتابات الجاسر) وكان مما يكتبه في موضوع اليمن وحضارته مقال في "جريدة الشرق الأوسط" (عام 1416هـ/1996م) تناول فيه الخلاف التاريخي حول ملكة سبأ (بلقيس), وكان بذلك يعلق على ما أثاره زميلنا د. عبد الرحمن الأنصاري من أن بلقيس شمالية لا جنوبية.

غيض من فيض

وأشار الشبيلي أن ما تضمنه الكتيب قد انحصر على مطالعته فيما كتبه العلامة حمد الجاسر مما له علاقة مباشرة باليمن, أما ما تضمنته الكتب التي أشرف على طباعتها الشيخ الجاسر مثل كتاب: (صفة جزيرة العرب) للهمداني من تحقيق الأكوع, وكتاب: (معجم الشيوخ) تأليف الهاشمي المكي وتحقيق الزاهي, أو التي نشرها مثل كتاب:( المناسك الطريق للقاضي وكيع), وكتاب: (الجوهرتين) للهمداني, أو التي حققها مثل كتاب:( الدور الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطرق الحج المعظمة), وكتاب: (البرق اليماني) للقطبي, أو التي شارك في إعداد أجزاء منها مثل:( المعجم الجغرافي), فإنها تتضمن بمختلف موضوعاتها, مئات الإشارات إلى اليمن بكل محافظاته.

الجاسر.. مقال مؤلفات وذكريات عن حضرموت

وفي مضمونة يؤكد الشيخ الجاسر أن العلاء بن الحضرمي كان من مشاهير الحضارم وله مواقف محمودة في قتال المرتدين وفي الفتوحات الإسلامية. وأكد أن الصلات بين سكان حضرموت وبين إخوانهم في مكة وجدة وغيرها, ما تزل تزداد قوة بمرور الزمان, حتى عرف منهم في عهدنا الحاضر كثير من البيوتات البارزة, وخاصة من ذوي العلم والأدب, وأصحاب الثروة والغني. فالحضارمة يعدون من أنشط العرب في مجال البحث عن الرزق, والسعي في مناكب الأرض, للاستزادة من الغنى, ولهذا كانت لهم نشاطات متعددة في الأسفار إلى البلاد النائية كجزائر الهند الشرقي (بلاد الجاوا وما حولها) والبلاد الإفريقية, وعرف منهم قديماً وحديثاً علماء مبرزون في نواحي متعددة من العلوم والفنون.

ومن أبرز مؤرخيهم في العهد القريب من عهدنا الشيخ عبد الله الطيب بن عبد الله بن أحمد بامخرمة (870/947هـ) وله مؤلفات منها: تاريخ ثغر عدن وتاريخ مطول على الطبقات والسنن كتاريخ الذهبي, وكتاب: النسبة إلى المواضع والبلدان وقلادة النحر في وفيات أعيان العصر في ثلاثة أجزاء, ومن المعاصرين من علماء (حضرموت) السيد عبد الرحمن أبن عبيد الله السقاف (1300/1375هـ) مفتي حضرموت, ومؤرخها وعالمها, وله مؤلفات كثيرة مشهورة في التاريخ والأدب والجغرافيا, ومن مؤلفاته كتاب عن: حضرموت بلادها وسكانها, وممن عرف من أبناء هذه البلاد الأستاذ هادون بن أحمد العطاس, وهو ممن عني بتاريخ بلاده تأليفاً وجمعاً, وكثيراً ما كان يحكى نوادر تتعلق بتلك البلاد وله مؤلف عن تاريخ حضرموت قبل الإسلام, يحوي أكثر من أربعين نقشاً بالخط المسند, مستعرضاً مراحل تطور علاقاته بمحمد بن عبد الله العمودي والأستاذ صلاح البكري مؤلف كتاب: تاريخ حضرموت السياسي.

الانصراف عن الدنيا و العناية بالتأليف

وأكد الجاسر أن من الملاحظ: أن علماء تلك البلاد يغلب على أكثرهم التفرغ لعباده الله سبحانه, والانصراف عن الدنيا, ثم العناية بالتأليف, فغالبهم ذو نزعة روحية, وأية نزعة من نزعات النفس قد يحدث من طغيانها ما قد يكون محلاً للمؤاخذة, ومن هنا فإن كثيراً من المؤلفات الدينية لبعض علماء تلك البلاد كان التأثير الروحي فيها يغلب الجوانب الأخرى, بحيث يطغى عليها طغياناً يوجد مآخذ كثيرة عليها, إلا أن للمحققين منهم مؤلفات تتعلق بالدين وبالأدب وبالتاريخ, لها منزلتها وقيمتها العلمية وهي أوسع من أن تحصر في مقال.

وللأستاذ محمد بن عبد الله الحبشي مؤلف حافل باسم: مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن فيه الكثير مما يتعلق بعلماء تلك البلاد ومؤلفاتهم, منوها إلى دور السيد محمد بن حسن الذي اتحفه بكتابين يتعلقان بالأسرة العلوية الكريمة في حضرموت, أحدهما كتاب: شمس الظهيرة في أنساب أهل البيت من بني علوي، أما الكتاب الثاني فهو المعجم اللطيف لأسباب الألقاب والكنى في البيت الشريف لقبائل وبطون السادة باعلوي تأليف السيد محمد بن أحمد بن عمر الشاطري وهو من البارزين من مثقفي البلاد الحضرمية من المعاصرين.

الجعيدي وحضرموت بين الماضي والحاضر

حضرموت بين الماضي والحاضر كان عنوان محور الدكتور عبدالله سعيد الجعيدي الاستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة حضرموت والتكنولوجيا مشيرا أن المصادر التاريخية المدونة لأحداث مراحل قبل الإسلام تركزت في النقوش والمخربشات والآثار والأشعار والمرويات الشفاهية, مؤكدا ً أن حضرموت لم تحظ في العصر الإسلامي باهتمام المصادر الإسلامية الكلاسيكية إلا بما له علاقة مباشرة بالدولة الإسلامية مثل إسلام أهل حضرموت وحروب الردة والثورة الاباضية ضد الدولة الأموية.

ويعد القرن الثالث والرابع والخامس من الحقب الزمنية الغامضة في التاريخ الحضرمي, واجتهد المؤرخون الحضارمة في تفسير ذلك وعزوه إلى شيوع المذهب الاباضي في حضرموت وإلى عدم حرص الأئمة الاباضيين على تأسيس شكل من أشكال الدولة المنظمة وعندما ارتبطت حضرموت- بشكل أو بآخر- بالكيانات السياسية المستقلة عن دولة الخلافة الإسلامية أو كانت تابعة لها وردت أخبار حضرموت ضمن تناول مؤرخي هذه الدول. وأهم هذه الإشارات ما جاء في مؤلفات أبي الحسن الهمداني المتوفي سنة 360هـ الذي أورد إشارات عديدة عن أنساب أهل حضرموت ووصف بلادهم في كتابيه (صفة جزيرة العرب) و(الإكليل) وجاء ذكر حضرموت عند أبي سمرة الجعدي وأبن يوسف الجندي وعلي بن حسن الخزرجي وعبد الرحمن أبن الديبع وغيرهم.

أقدم مؤلف حضرمي

مشيراً إلى أن أقدم مؤلف حضرمي يعد كتاب: تاريخ شنبل أو التاريخ الأكمل لمؤلفه أحمد عبد الله شنبل مضيفاً وقد حفل القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي بمؤلفات عديدة لـ (بامخرمة- بافقيه- العيدروس) تناولت تاريخ حضرموت وأحداث التاريخ الحضرمي بالطريقة الإسلامية الكلاسيكية وهي الكتابة على طريقة الحوليات أو سيرة تراجم الأشخاص المبرزين.

منوهاً إلى أن  المؤرخ سعيد عوض باوزير وجه نقداً للمصادر الحضرمية وقال إنها كتبت تحت مؤثرات عاطفية أو عنصرية أو مذهبية أو سجلت عن سذاجة وحسن نية.

وعرج الجعيدي على تاريخ حضرموت في عصر الإسلام مؤكداً أن حضرموت لم ترتد كلها عن الإسلام كما تشير بعض المصادر التاريخية فالذين ارتدوا هم قسم كبير من قبيلة كندة بسبب حداثة إسلامهم وانعدام الوقت الكافي لتجذر الإسلام في نفوسهم، كما أن دخول بعض القبائل في الإسلام نظر إليه بوصفه حلفاًً عسكرياً مع الرسول صلى الله عليه وسلم, وقد أدت هزيمة كندة في حرب الردة إلى تغيير الخارطة السياسية وموازين القوي القبلية في حضرموت, فانتشر الإسلام وامتدت جذوره القوية في التربة الحضرمية ودخلت حضرموت في إطار الحضارة الإسلامية الفتية.

وشدد الجعيدي أن حضرموت لم تكن بعيدة عن الأحداث التي عصفت باليمن ودولة الخلافة في العصور الوسطي حيث انعكست مؤثراتها على أوضاعها الداخلية. فقد خضعت حضرموت (وأحياناً أجزاء منها) لحكم بعض الدويلات المستقلة وأصبحت ترتبط بالولاء لعواصم تلك الدويلات مثل: زبيد, تعز, عدن, صنعاء. إلا أننا نلحظ أنه عندما يدب الضعف في الحكومات المركزية كانت حضرموت تشهد نوعاً من الاستقلال يزداد أو يقل بزيادة أو ضعف تلك الدولة الرئيسية, واستعرض الجعيدي عوامل بروز نواة للإمارات والدويلات الصغيرة التي تأسست في مدن ومناطق محددة في حضرموت, مثلت أبرز العلامات المميزة لانتقال حضرموت من مرحلة العصور الوسطي المبكرة إلى العصور الوسيطة المتطورة, ومن أبرز هذه الإمارات أو (السلطنات): إمارة آل راشد ومركزها تريم, وإمارة آل الدغار في شبام وإمارة آل فارس بن اقبال في الشحر.

أبرز إنجازات آل كثير السياسية

ووقف الجعيدي عند مرحلة قيام السلطنة الكثيرية مشيراً إلى إن أبرز إنجازات آل كثير السياسية تكمن في توحيدهم منطقة حضرموت ساحلها وواديها, وقد ساعدهم على ذلك وجود الترابط الجغرافي الاقتصادي والاجتماعي بين السكان في هذين القسمين, كما كان أن العديد من القوى الحضرمية كانت مهيئة للاطلاع بهذا الدور من خلال انتشار مراكز استيطانهم ونشاطهم الاقتصادي في مناطق معينة من حضرموت بقسميها الساحلي والداخلي.

مشيراً إلى إن سقوط السلطنة الكثيرية الأولى في حضرموت مثل انتكاسة للمشروع السياسي الحضرمي في بداية العصر الحديث, وأبرز أسباب تراجع هذا المشروع أنه فشل في داخله وبحث عن حلول لمشاكله من خارجه. منوهاً إلى أن من نتائج الصراع بين القوى القديمة والجديدة الطامحة في الحكم (الكثيرية واليافعية) ما يلي:-

1.   قيام السلطنة القعيطية في ساحل حضرموت كله وأجزاء واسعة داخل حضرموت.

2.   قيام السلطنة الكثيرية الثانية.

3.   تنامي الوجود البريطاني الاستعماري في حضرموت والذي امتد حتى سقوط هاتين السلطنتين سنة 1967م.

متناولاً محاولات التحديث في حضرموت التي جاءت انسجاماً مع الجهود الحكومية بعد دعاوى الإصلاح الكثيرة التي نادت بها الجمعيات الاجتماعية لانتشال حضرموت من الأوضاع المترددية التي شهدتها, مؤكداً إن الحراك الإصلاحي الذي شهدته حضرموت في هذه المرة وكذا النهوض بالتعليم وحالة السلام الاجتماعي المتفق عليها كل ذلك دفع باتجاه تفكيك بنية المجتمع التقليدية وأحدث حراكاً في الوظيفة الاجتماعية والنظرة إلى العمل الحرفي ودفع ذلك باتجاه النزوع نحو المجتمع المدني الرافض للقيم التقليدية المتخلفة.

عمقاً ثقافياً أصيلاً

وفي ختام حديثه قال الجعيدي: إن حضرموت الحاضر قوية ببقية مناطق اليمن ومناطق اليمن الأخرى قوية بحضرموت وهما ليسا طرفين بل أطراف متساوية لا أصل ولا فرع الكل أصل, عرب, مسلمون.والقول نفسه بالنسبة لإخواننا في كل مكونات الجزيرة العربية. وبالنظر إلى حاضر حضرموت فإن هناك من يحرص على أن تكون عمقاً ثقافياً أصيلاً لليمن وواجهة مدنية له، وهناك من يفهم الأمور على غير حقيقتها، ويحاول أن يؤصل لثقافة لا تتناسب إلا مع الجبال والصحاري ويجهد نفسه في ذلك. مشدداً على أن ثقافة حضرموت الحاضر ترفض القات وترفض السلاح والعنف ترفض الساعات التي تسير إلى الوراء, هي تحب العمل والخير للجميع, وتعشق الدولة والقانون والمدنية وتقبل من يحترمها بل تحسبه منها.

الأنصاري.. أسئلة وعلامات استفهام

د. عبد الرحمن الطيب الأنصاري، الحاصل على الدكتوراه من جامعة ليدز بإنجلترا عام1966م، أول وكيل سعودي لكلية الاداب بجامعة الرياض(جامعة الملك سعود)، عضو المجلس الأعلى للاثار للمملكة العربية السعودية، عضو مجلس الشورى في الدورتين الأولى والثانية(1996-2001م) عضو مجلس إدارة مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض، الذي أصدر العديد من الكتب من بينها.. ظاهرة الهروب في أغاريد الصحراء، ظرهرتان في حياة أبي الطيب:نسبة وتنبؤه، البدع تاريخها وأثارها، أثار منطقة الرياض، الدليل الموجز لأشهر المواقع الأثرية وفنون العالم العربي، بدأ منذ العام2001م في إصدار سلسلة:(قرى ظاهرة على طريق البخور) بعدة لغات، له أكثر من مائة بحث منشور باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، نال العديد من الأوسمة والجوائز أبرزها وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من المملكة العربية السعودية 1982م، وشاح الثقافة والفنون من وزارة الثقافة اليمنية 1998م، درع الاثاريين عام2001م، ميدالية 22مايو من رئيس الجمهورية2004م، جائزة الأمير سلمان للريادة في تاريخ الجزيرة العربية 2005م،درع شوامخ المؤرخين العرب من اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة2007م:تحدث بدوره مفنداً جانباً من مصادر التاريخ المرتبط بالمنطقة، مشيراً إلى أن ظهور الكتابة أدى إلى تسجيل آفاق الفكر وتوجهات العقل ونوازع المشاعر, وساهم في صياغة القوانين وتنظيم شؤون الحياة, منوهاً إلى أن نشوء الكتابة ارتبط بمجرى التطورات التي عاشتها بلاد وادي الرافدين والنيل في حين كانت الجزيرة العربية بعيدة عن دائرة الضوء في تلك الحقبة من الزمن.

مستعرضاً مراحل نشوء عدد من المدارس في المنطقة لتمارس أدواراً تاريخية كالمدرسة التوارتية والمدرسة الحديثة التي تقوم على اعتماد التقنيات الأثرية للفكر في التسلسل الطبقي في حضرموت والجزيرة العربية.

مسلطاًَ الضوء على أبرز محطات عصور ما قبل التاريخ.. العصر البرونزي والعصر الحديدي، وأدوار قبائل عاد وثمود وعلاقاتهم بحضرموت التي بدأت في الظهور كملكة في القرن الرابع قبل الميلاد، لتكون دولة معين الجبهة الاقتصادية المتحركة باتجاه الشمال مثيراً أكثر من علامة استفهام حول الوقائع التي تتحدث عن وجود مملكات كملكة سبأ وبلقيس في اليمن والجزيرة والمناطق التي توجد بها أضرحة الأنبياء والرسل مثل نبي الله هود ونوح عليهما السلام،  وأمكنة الأقوام عاد وثمود والأحقاف، وقبيلة كندة وعلاقتها بقبيلة قحطان.

الضبيب ورحلة في جزيرة العجائب والغرائب

الدكتورأحمد الضبيب عضو مجلس الشورى السعودي ورئيس تحرير مجلة العرب: ألقى خلال مداخلته سيلاً من أرق الكلمات وأعذبها بلاغة، واصفاً وصفاً دقيقاً سير برنامج رحلة القافلة الثقافية السعودية بحضرموت ساحلا ً ووادياً، وطوافها بمدينة تريم الغناء ومشاهداتها لمنارة المحضار وناطحات السحاب في شبام وزيارة مكتبة الأحقاف بمصادرها ومخطوطاتها التاريخية النادرة، والنزول ضيوفاً أعزاء على أهالي دوعن وخليه بقشان، والنزهة التي قضوها في جزيرة العجائب والغرائب سقطرى الغنية بتنوعها النباتي والحيواني، الساحرة بشواطئها الفريدة وطبيعتها الخلابة والأسرة للقلوب والوجدان، وصولاً إلى مدينة المكلا عاصمة حضرموت، واللقاء الذي جمعهم بلفيف من رجالات الثقافة والأدب في أمسية احتفائية بخميسية حمد الجاسر، شاكراً الشيخ المهندس عبدالله احمد بقشان على استضافته للقافلة، مشيداً بفكرة مؤسس مؤسسة الصندوق الخيري للطلاب المتفوقين د. عمر بامحسون و مبادرته الرائعة التي أثمرت تنظيم زيارة الوفد الثقافي السعودي لحضرموت لتعزيز قنوات التواصل والارتباط بين رفاق الحرف و القلم في اليمن والمملكة العربية السعودية.

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية