خبرتي المتواضعة في الحياة دفعتني للاعتقاد بأن المسؤول في بلادنا قد يستغني عن منصبه بأريحية ودون عناء بعد أن يطمئن على رصيده البنكي وتتعزز أرقام ثروته الطائلة، ويؤمن مستقبل أولاد أولاده أقصد أحفاده، لكن الواقع البائس الذي نعيشه اليوم جرد هذه الصورة الوردية الافتراضية من مخيلتي، وحولها إلى أوهام وأضغاث أحلام لن تتحقق!.
فكم من مسؤول رفيع المستوى أو من العيار المتوسط أو الوزن الخفيف أو على قولهم كما الريشة.. ظل متشبثاً بكرسيه وكأنه خلد باسمه ومتعلقا بتلابيب منصبه وكأنه صمم لأجله وعلى مقاسه ولخاطر سواد عينيه وعقليته المتفتحة، متغاضياً عن طول فترة تربعه على رأس موقعه، متجاهلاً روائح الفساد المنبعثة من سلوكياته وتصرفاته لدرجة أن الأدخنة التي يطلقها باتت تزكم أنوف من حواليه وتشمئز منها أنفس البعيدين عنه، كيف لا وهو المسؤول الناجح بدهاء الشياطين ومراوغة الثعابين وخبث أباليس السماء والأرض في اقتحام موسوعة جينس للأرقام القياسية في مجال فنون النصب والاحتيال وعمليات الابتزاز والقهر وهبر خزينة الدولة.. لذلك لم يعد مستغربا على الإطلاق أن يستعين المسؤول إياه بخبرات السماسرة والمرتزقة؛ كلما بلغت مسامعه أنباء بأن تغييرا وزارياً يترصد خطاه وأن اسمه مدرج على قائمة الإقصاء وكشوفات الخلع، حينها تراه يتقدم الصفوف الأولى في صلاة الجماعة في المساجد، ويبتهل إلى الله بالدعاء، ويبدأ بإرسال صكوك الولاء والطاعة لرؤسائه في المركز، رافعاً خطابات توصية وتقارير خطية وأخرى صوتية سلكية ولا سلكية تعدد منجزاته الأسطورية الخارقة في مرفقه الحكومي، ولا بأس في إطناب عبارات التوسل والاستجداء علها تسهم في إبقائه في موقعه والتكرم بحفظ ماء وجهه، والدافع الذي يحركه في هذا الاتجاه أو ذاك دون حياء أو ذرة خجل لا ينحصر في رغبته في تضخيم ثروته ورفد خزينته بمزيد من الأموال والأصول الثابتة والمتحركة فحسب، وإنما تغذية خشيته المتنامية من فقدان الوجاهة وسطوة النفوذ بعد إزاحته عن منصبه، فوقتها سيراوده شعور بالعزلة والغربة عن محيطه، مدركاً أن الجميع سينفض من حوله ولن يقبل عليه أحد بداعي التودد والاستلطاف أو ينافقه ويكيل عليه عبارات المديح والثناء والقصائد( بو شلنقين)، ليصل في نهاية المطاف إلى قناعة بأن أموال النهب التي جمعها، وثروة السحت والحرام التي كونها لن تشفع له في يومه الأسود، ولم تمنحه حب العامة واحترامهم؛ إنما العكس.








