وليد التميمي
اليمن حضرموت
الشاعر عبدالله عبدالكريم الملاحي.. سلك درب الثائرين داعية حاملا ً مشعل العلم والتنوير

 

في ذكرى رحيله العاشرة..

                         الشاعر عبدالله عبدالكريم الملاحي.. سلك درب الثائرين داعية حاملا ً مشعل العلم والتنوير.

 

كتب/ وليد محمود التميمي.

أحيا اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بالمكلا أواخر الأسبوع المنصرم الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر الأستاذ عبدالله عبدالكريم الملاحي، ابن مدينة الشحر وأحد نجباء أسرة الملاحي العريقة التي يحظى أبناؤها من الذكور والإناث بمستوى متقدم من التعليم والثقافة.. اكتسبوه بفعل ترعرعهم في جو عائلي تربوي ديني محافظ ظل المجال فيه مفتوحا للتعرف على الكتب والإطلاع على مصادر العلوم المختلفة منذ الصغر..

أخ وصديق في آن معاً

 وفي الأمسية التي حضرها كوكبة من مثقفي وأدباء وأعلام المحافظة تحدث أولا الأستاذ والباحث عبد الرحمن عبد الكريم الملاحي، شقيق الفقيد الراحل نيابة عن أخيه عمر عبدالكريم الملاحي والأسرة كافة معبرا عن ما يكنه من مشاعر وما يختزله من ذكريات نحو شخصية عزيزة على قلبه ذهبت إلى رحمة الله، مستعرضا ملامح مضيئة من حياة الفقيد معتبرا الذكريات التي رسخت في ذهنه عن شقيقة الراحل الذي يكبره في العمر بسنتين بمثابة الأرضية التي نما وترعرع في كنفها الشاعر المرحوم، الذي كان يعد أخا صالحا وصديقا مخلصا في آن معا. مشيرا إلى أن مهنة التعليم التي شغلها والده "رحمة الله" تركت بصمة واضحة المعالم على العلاقة التي جمعته بأخيه، فالمهنة السامية ونظامها الإداري القديم كان يوجب على المعلمين آنذاك ضرورة الانتقال من قرية إلى أخرى، وغالبا ً ما كان المعلم يصطحب أسرته في تنقلاته المختلفة، وهذا حال كان ينطق تماما ًعلى أسرة المعلم عبدالكريم الملاحي، مضيفاً أن البيئة المحيطة بمحطات التنقل والترحال ساهمت في نشوء علاقة التالف والانسجام بينه وبين شقيقة الراحل.

موهبة تتفتق

 وخلال الحقبة الممتدة من أواخر الثلاثينيات حتى الخمسينيات من القرن العشرين تلقى الأستاذ عبدالله عبدالكريم الملاحي تعليمه في مدن الشحر وشحير والحامي ثم المدرسة المتوسطة بالغيل، وفي خضمها برزت رغبته  في قول وتنظيم الشعر، وفي الأربعينيات  عندما التحق الراحل بالمدرسة الوسطي بالغيل1944-1949م قال في تلك الفترة الشعر فأجاد وأبدع، ومن هنا يتضح أن فترة التحاقه بالمدرسة الوسطى تعد بمثابة مرحلة بلورة شاعرية الراحل وثقافته المتأصلة، مؤكداً على أن مجالات التميز والإبداع وفرص اكتشاف المواهب وتفتقها التي وفرتها  أنشطة المدرسة آنذاك بمناهجها العلمية العميقة ومعلميها الأفذاذ، إضافة إلى  وجود مكتبتين باللغة العربية واللغة الإنجليزية وتنظيم البرامج والمسابقات الأدبية والثقافية والرياضية.. كانت المحفز والمشجع على كشف النقاب عن جودة شعره وسمو أفكاره، مشيرا إلى أن من بين الشخصيات البارزة التي أثرت في سلوك الراحل عبدالله عبدالكريم الملاحي وساهمت في تكوينه الفكري والأدبي والشعري، الشيخ عبدالله باعنقود" رحمة الله" أستاذ وعالم اللغة العربية في المدرسة الوسطى في تلك الفترة، والذواق لفن الشعر والغناء، والشخصية الأخرى التي تركت بصماتها واضحة المعالم على خصال الفقيد وسجاياه تمثل في الأستاذ سعيد عوض باوزير"رحمة الله" الذي كان يراجعه ويرشده لتقييم بعض  المقاطع والقصائد الشعرية. معرجا ً على بعض الأسماء التي غنت من شعر الراحل من بينهم عمر غيثان و عبدالله مخرج.

انتمائه السياسي  والتحاقه بحركة القوميين العرب

 مضيفا انه بعد تخرجه من المدرسة الوسطى لجأ الفقيد الراحل لمهنة التدريس، ثم اشتغل في دكان بالشحر وسافر إلى عدن ليعمل كسكرتير للسلطان الفضلي وسافر إلى المملكة العربية السعودية ليعود بعدها ليلتحق بسلك التدريس، مؤكدا على أنه في كل بلد كان ينتقل إليه الراحل ويحل في ربوعه كان له أثر.. ففي دمون كان من مؤسسي نادي دمون الثقافي الرياضي، وفي الشحر ترأس نادي كوكب الصباح الرياضي واعتبره مجالا للتوعية وضم مجاميع كبيرة لمسار الحركة الوطنية بحكم  انتمائه السياسي  والتحاقه بحركة القوميين العرب عام 1958م، وعلى الرغم من الأزمات والخلافات التي شهدتها الساحة الوطنية في تلك الحقبة إلا أنه ظل ملتزما ً بفكر الجبهة القومية واستطاع أن يكون مجموعة من الخلايا في نادي الكوكب ومن خارجه، ومن الملاحظ أن هنالك ثلاث جوانب تتداخل مع بعضها البعض تشكل شخصية هذا الرجل أولها الأدب كونه كان شخصا عاطفيا حساسا ذا مشاعر مرهفة، وهو أيضا اجتماعي نسج علاقات وطيدة مع مختلف فئات المجتمع، وهو شخصية قيادية استطاع أن يدير العمل السياسي والرياضي والاجتماعي.. هذه الصورة ظلت ملازمة للراحل إلى أن جاء الاستقلال، فعين سكرتيرا لمحافظة حضرموت وفي عام 1969م انتقل إلى محافظة المهرة وخلال هذه الفترة تعرض لمحاولات لاعتقاله واغتياله بسبب تفاقم الصراعات القائمة في الجبهة القومية في تلك الفترة، الأمر الذي فرض عليه الاختفاء في مدينة المكلا لمدة شهر إلى أن هدأت الأحوال وانتقل إلى عدن ثم لحج وأبين ثم عين سكرتيرا ً لمجلس الرئاسة، وحول إلى المملكة العربية السعودية كسكرتير أول للسفارة ليمكث هناك بعد الانقلاب على( سالمين) بصفته مواطنا عاديا ًوليس لاجئاً سياسيا.ً إلى أن استقرت أوضاعه في مطلع الثمانينيات عندما عاد ليعمل في المركز اليمني، فابتعد عن السياسة والتزم الميول الأدبية إلى أن أصيب بالمرض وتوفى رحمة الله عليه في 24 يونيو 1997م.  

التوجيه قبل النقد

بعد ذلك تحدث الباحث عبدالله صالح حداد سارداً المراحل التي وطدت علاقته بالفقيد الراحل والذي كان في فترة من الفترات أستاذة و مثلا ً يحتذى به في تعامله الطيب وعلاقاته الكبيرة ولغته البليغة فقد كان حسن المعشر يتمتع بأسلوب سلسل وراق في التدريس وطرح أفكاره وكيفية إيصالها إلى الطرف الأخر،إضافة إلى طريقته المميزة في الملبس والممشى وارتدى الطاقية.. كل هذه الصفات كان بذور غرسها الأستاذ القدير في تلاميذ من أجل عشق اللغة وحب القراءة والإطلاع،  وعلى الرغم من كثرة انشغالاته وارتباطاته إلا أنه كان دائم الحرص على رفد الشباب من حوله بالنصح والإرشاد عند محاولة الإبحار في خضم الكتابات الأدبية والقصصية والشعرية، كما حدث معي شخصياً عندما بدأت أنسج أول محاولاتي في كتابة القصية القصيرة فكان غالبا ما يزودني برسائل توجيهية أكثر منها نقدية، وبعد أن قضى حياة حافلة بالتنقل والترحال وتبوأ المناصب واجتياز المحطات المليئة بالمخاطر والصعاب عاد الملاحي من المملكة العربية السعودية مستجيباً في عام 1982م لدعوة الرئيس السابق علي ناصر محمد ليعين نائبا لمدير عام المركز اليمني للأبحاث والآثار والمخطوطات.

العودة إلى مسقط الرأس

 وفي أغسطس 1987م زار مسقط رأسه مدينة الشحر في إجازة قصيرة، وخلال جلساتي الطويلة معه كنت أحرص على تقليب صفحة الذكريات التي جمعتنا سويا علني أخرجه من جو المعاناة ووجع النسيان الذي ألم به، وبعد عدة محاولات نجحت في إقناعه بالتحدث في أمسية أدبية كبرى عن عصارة نشاطه الأدبي وتجربته الشعرية يستعرض خلالها ديوانيه الشعريين" ثورة الحرمان" و" الإبحار في مدن الحب والسلام" وهذا ما تم بالفعل بعد طول تردد من قبله ومساعي رفض، ومن بين ما قاله خلالها" أنا في الواقع لست شاعر أغنية، لكنني أحياناً أكتب كلمات عاطفية صالحة للغناء". ومن بين الفنانين الذين غنوا له الفنان سعيد عبد النعيم، والفنان عبدالرب إدريس الذي غنى له أغنية سجلت في الكويت ولكن هذا الأخير تعمد للأسف أن لا ينسب كلمات الأغنية لكاتبها الملاحي، مضيفاً انه كتب للفنان محمد مرشد ناجي نشيد في ديوان" ثورة الحرمان" كما كتب أغاني للفنان سالم علي بازياد ولعمر محمد غيثان. واختتم الحداد حديثه بقراءة أبيات من مطلع أغنية كتبها الراحل الملاحي لسعيد عبدالنعيم يقول فيها..

حبيب من دلك على هجري ونا غائب** قضيت ما راعيت قلبي في الهوى ذائب.

عود على ما كان يكفي كم أنا متعوب**ليه البكاء ياعيني صبري عالذي جارى ومكتوب.

سطور من نور الوفاء والتضحية والإخلاص

أخر المتحدثين في الأمسية كان الأستاذ عمر عوض خريص والذي استهل محوره قائلاً:"قبل عشر سنوات رحل عن عالمنا الإنسان الشاعر عبد الله عبد الكريم الملاحي.. رحل بروحه وجسده, ولكنه مازال قائماً بذاته في قلوب أهله وذويه ومحبيه, شاخصاً بفكره ورؤاه ونضاله وأشعاره في ذاكرة شعبه, وأنى لمثله أن ينسى أو يغفله التاريخ, وقد سطر بجهده وكفاحه سطوراً من نور فيها الوفاء والإخلاص والتضحية, فكان معلماً ومربياً ومصلحاً وثائراً, حمل شعره عمق إيمانه وطموحاته وآماله, إيمانه بحق شعبه في التحرر والانعتاق من ربق الاحتلال البريطاني والحكم الانجلوسلاطيني, وطموحاته في خروج شعبه وأمته من دوائر الجهل والتخلف, وآماله في مستقبل يحمل روح العصر وتطلعاته.

ولم يذهب كفاحه وجهاده أدراج الرياح بل أينعت ثماره وأوتي أكلها, فكانت الثورة وكان عهد الحرية والعلم والتنوير.

وإذا أردنا أن نتقصى مسيرة النضال لدى شاعرنا في شعره فأننا نوجزه قائلين, تفتح وعي الشاعر (عبد الله عبد الكريم الملاحي) على عالم يمور بالثورات, ويموج بحركات التحرر الوطني, فكان لابد لهذا الشاعر أن تتشبع مشاعره بهذه التطلعات الثورية وخصوصاً أن بلاده ترزح تحت نير الاستعمار البريطاني والحكم الانجلوسلاطيني, وهو الشاعر الناضج والمثقف الواعي وحامل مشعل التنوير في بلاده, فكان لزاماً عليه أن يسلك درب الثائرين داعية ومبشراً, داعية إلى التحرر والثورة ومبشراً بالنصر, فنراه في قصيدته (إشراق) عام 1959م يسوق البشارة لقومه وهو يستنهض عزائمهم قائلاً:-

مواكب الإشراق في أعقاب ليل مظلم

تزخر بالآمال والأحلام منذ القدم

تملا بالأضواء والسحر جفون النوم

استيقظت على رؤاها ذات فجر ملهم

عوالم كاد يواريها ضباب العدم

تاريخها يسطع في أعماق ماض أقدم

لم يحفظ التاريخ مجداًَ شامخاً بلا دم

          ***********

يا أمة أيقظها على الكفاح الزمن

كفى انطواء حطمي الأسوار هذا ممكن

لا تدرك الغايات إلا حين يغلو الثمن

         ***********

انطلقي يا أمتي من أســرك المصطنع

واستقبلي فجر غدٍ مؤتلقٍ ملتمـع

واقضي علي يأس تمادى في حنايا الأضلع

تمردي بحكمة وانطلقي كالمدفع

أمامك الدرب مخيف شائك لا تجزعي

فرب فجر مشرق في ذيل ليل مفزع.

وفي قصيدته التي كتبها في العام 1959م نراه يواصل درب نضاله وكفاحه ضد المستحكمين على مقدرات الشعب, ويفضح كل أساليبهم في الاستغلال والاستعباد, فتجده يرسم لنا لوحة (فلاحة الوادي) ويصور معاناة هذه الشريحة من المجتمع, ويكشف استغلال ملاك الأرض ويصور أطماعهم وجشعهم, فهو بعد أن يحكي لنا بأن هذه الفلاحة تأتي بالزاد إلى زوجها الفلاح وتشاركه في فلاحة الأرض في حب وتفان, يخبرنا كيف أن صاحب الأرض يحصد ما حصدوه من زرع وعرقٍ،أما حينما بزغت معالم الاستجابة الشعبية وتأكدت العزيمة على الكفاح فهو يصدع بقصيدته (أيها الشعب) عام 1961م قبل اندلاع الثورة المسلحة بثلاثة أعوام تقريباً, يقول فيها:-

أيها الشعب تكلم

وابن رأيك تفهم

لست يا هذا أصما أنت حياً تتألم

فلماذا تتوارى

بدموع تتضرم

إن بعض الصمت جبن وانهزام فتكلم

لا تطاطي رأسك المحموم ارفعه تقدم

انطلق دس سلم الأشواك ضح وتعلم

قل فمن حقك أن يفعل

أن الحق يقحم

أن يقولوا عنك محجور عليه لا يحكم

فلماذا لا يعدونك للرشد المحتم

أيها المعدوم أربابك

تثرى وتنعم

أيها المبعد أربابك تدنى وتكرم

يا طريد الفقر والحرمان

ياكوناً محطم

أجار اليوم بشكواك أبن لا تتكتم

وينشد لانتصار الثورة في الشمال

ويضيف خريص" وقد شهد عام 1962م من الشاعر عبد الله الملاحي أكثر القصائد الثورية، وتوج هذا الكفاح انتصار الثورة في الشمال ضد الإمامة والتخلف, ويحتفي الشاعر بهذه الثورة الوليدة ويزداد إصراراً على تحقيق النصر في جنوب اليمن والتخلص من براثن الاحتلال البغيض وإتباعه, فكانت قصيدته (الإصرار الحاسم) وهي إصرار على النضال وتثبيت جنود الثورة على مواصلة الكفاح يقول فيها:-

يا أخي: لا تقل طال بنا الليل وأضنانا المسير

لا تقل أنا ضللنا الدرب والليل خطير

لا ترع لا تلق بالاً للأفاعي والصلال

لا تطل خلف التفافا لا تخف غدر الليال

قدماً امضي فعمر الليل يا هذا قصير.

و يقول أيضا:-

يا أخي غدنا المنشود تجميع الجهود

لبناء الوطن القابع في ذيل الوجود

فتقدم سر بنا حتى يطل الفجر خفاق البنود

أنني المح في عينيك نوراً أي نور

أنه نور الشباب الحر أكسير الخلود

أنه التصميم والإصرار والفجر الجديد

ثم كانت قصائده (نشيد الجيل الصاعد) و (ميلاد شعب) و (نفحات الحياة) وما قبلهن كلهن صاغ أبياتهن في عام 1962م. ثم تأتي قصيدته (نشيد ثورة الحرمان) أنشودة للثورة الوليدة من على جبال ردفان.

 

 


وليد محمود التميمي



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية