مجلة آفاق التراث الشعبي..
فاتحة لمسعى عنوانه إطلاق كوامن الطاقات الخلاقة المعنية بالثراث والهوية والذاكرة.
كتب/ وليد محمود التميمي.
أصدر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بالمكلا العدد الأول من مجلته النصف سنوية( أفاق التراث الشعبي) لتنظم إلى ركب مجلة(آفاق الأدبية الثقافية) وملحق "آفاق حضرموت الثقافية"، الغلاف الخارجي لمجلة( آفاق التراث الشعبي) المطبوعة في (329) صفحة من الحجم المتوسط تصدرته صورة للفنان سعيد عبدالنعيم وإلى جانبه العناوين التالية.. البحر في تراث حضرموت،جماليات اوبريت الضحية للمحضار، وعن الأدب الشعبي ومقوماته، والربان بامعبيد.. ويوميات الطريق، و تأثير الأدب الشعبي في الشعر الحميني بلاغياً، و الأزياء والآلات والإيقاعات في الشعر الشعبي، والأربطة والزوايا والمساجد في رحلات ابن بطوطة.
والمتصفح لمحتويات المجلة يجد نفسه غارقا في أحضان دنيا الثقافة وسماءات الشعر والفن.. ينهل من ينابيع متدفقة من محافل إبداعية عطرة صاغها رجالات فكر وأدباء أفذاذ ستظل أسماؤهم مخلدة في ذاكرتنا للأبد، صحيح أن المجلة تعنى بقضايا التراث والأدب الشعبي ولكن أليس هؤلاء العظام هم من بلوروا ملامح هذا التراث وساهموا في تشكيل قاعدته وحفظ معدنه ومعينه إلى يومنا هذا، وبالعودة لتقليب أوراق المجلة نجد أن افتتاحية العدد سطرت بقلم د. سعيد سالم الجريري، رئيس اتحاد الأدباء والكتاب بالمكلا، رئيس هيئة التحرير تحت عنوان" امتداد لجهود الرعيل الأول" مؤكداً خلالها" أن سعينا لإصدار( آفاق التراث الشعبي) لم يكن تعبيراً عن حالة ترفيه، فواقع الحال وما يحول إليه تراثنا من أحوال، أشعرنا بمستوى المسئولية التي ينبغي لنا أن نكون شركاء في أدائها، فكان التفكير في أن ينمط الإصدار الثقافي الذي نطلع به في حضرموت، لتغدو مجلة(آفاق) الفصلية الأدبية الثقافية مجلتين متخصصتين، لكل منها شخصيتها الدالة عليها، ولكي تكون مساهمتنا في الحقل التراثي ذات جدوى وفاعلية. بيد أن مسؤولياتنا لا تنجز بمجرد إصدار هذه المجلة، فأن هي إلا قطرة من محيط المشروع الكبير الذي ينتظر المخلصين الجادين كي ينهضوا به، ويستوي في ذلك الجهدان الشعبي والرسمي، الخاص والعام.
داعياً في ختام افتتاحيته الجميع للمشاركة في إغناء صفحات المجلة التي اعتبرها مفتوحة لكل ذي قلم جاد، وفكر ناضج، ومنهج قويم، لا يمتطى التراث لحاجة في نفسه الإمارة، أو يتعكز عليه، وله فيه مآرب أخرى.
هذا وقد تم تقسيم محتويات المجلة إلى أبواب عدة أولها حمل عنوان( أعماق) وخلاله نسج د. علي الحداد، الأكاديمي العراقي والأستاذ في كلية اللغات بجامعة صنعاء.. أفكار موضوعه ( قوت الشعب الثقافي.. عن الأدب الشعبي ومقوماته) ومنه اقتبسنا هذه الجزئية" لقد مثل الأدب الشعبي في أي من بيئاته حاجة إنسانية وتواصلا إنسانيا ً مع البيئة ومؤثراتها في النفس والوعي والفاعلية التعبيرية وحين ظهرت وسائل الاتصال الحديثة وأدوات اللهو والتسلية المتنوعة، فضلا ً عن طرائق التربية والتعليم، ومستلزماتها المكتوبة وأدواتها المختلفة أثرت في مساحة التعامل مع التراث الشعبي عامة ومنه الأدب- ليس المدينة التي تبدو فيها الصورة جلية- فقط بل في البيئات الأخرى مجتمعه، بما نال من صداح الإبداع الشعبي وفاعليته التي كان- قبل خمسين سنة أو أقل من ذلك- ذات حيوية لا تجارى حينها".
وفي باب( أشرعة) يمخر محمد عوض محروس في غباب بحر تراث حضرموت مستعرضا صور من الأخطار التي تربصت بالملاحين الحضارم منها محاولة التصفية والخطف والقتل على يد البرتغاليين الذين اكتسحوا البحار بأساطيلهم المترصدة للسفن التجارية.. زارعين بذور الرعب والخوف في مياه المحيط الهندي وخليج عدن.. مؤكدا على أن حضرموت أنجبت ملاحين عظام كان من أبرزهم الملاح الشيخ سليمان بن أحمد المهري، الذي نشأ في بيئة بحرية كانت لها صلاتها التجارية مع مختلف سواحل وجزر المحيط الهندي منذ القدم، وقد ترك المهري عدة مؤلفات في فنون الملاحة البحرية، وأكد المحاضر أن علاقة الحضارم بالبحر قديمة جداً، حيث جاء لفظ ( سنبوق ) في النقوش الحضرمية كإحدى وسائل النقل البحري التي أستخدمها قدمائهم.. كمصطلح عام كان يطلق على السفن الشراعية التي كانت تنقل اللبان من جزيرة سقطرى ومن ظفار والمهرة ومختلف سواحل حضرموت إلى قنأ مملكة حضرموت آنذاك، ومازالت هذه التسمية تطلق على كل سفن الاصطياد السمكي المختلفة.
وقد أشتهر آل بن ربيد وآل بازياد وغيرهم من أهالي الديس الشرقية كصناع للسفن والقوارب الخشبية المختلفة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وكانت أهم صناعاتهم الساعيه ( أبو شنده)، التي استخدمها الملاحون الحضارم وغيرهم من أهل الساحل اليمني الجنوبي في النقل التجاري، والشنده هي الجدار الخلفي للساعية الذي ميزها عن غيرها من السفن، بالإضافة إلى( العبري) الذي كان يستخدم في النقل التجاري قبل تحويله إلى سفينة صيد.
مستشهداً بعدد من القصائد الشعرية التي يرددها الحضارم أثناء خوضهم في غياهب البحر، لتحفزهم على الصمود في وجه التحديات والأخطار المحدقة بهم، وتجدد الأمل وترفض اليأس والقنوط من رحمة الله.
مشيراً إلى أن البحر في وقتنا الحاضر بات ملاذا وملجئا للكثير من الشباب بما فيهم حملة الشهادات الجامعية المختلفة.. الباحثين عن لقمة العيش، ومصدر رزق يؤمن لهم ولأسرهم حياة كريمة.
وفي باب( مرافئ) أنشد أ.سالم عمر الخضر على أنغام أوبريت الضحية للشاعر المحضار كاشفا النقاب عن جماليات النص، فبعد تعريفه للأوبريت كمصطلح نجده يؤكد على أنه على الرغم من استخدام اللغة العامية في الأوبريت إلا أننا نجد أن المقدرة الشعرية للمبدع المحضار تمثلت في الثنائيات المتقابلة، وخيوط الربط بينها: فالشاعر قدم أوبريته بمجملة مبنيا على الثنائيات.. هنا الثنائيات منها المكانية ومنها الاجتماعية ذات الطابع المتغير والصفة التاريخية.. بالنسبة للثنائيات المكانية فتتمثل في الصحراء وتتضمن دلالة الجدب وقسوة الطبيعة وشحه الخيرات، مناطق الغيط والبحر وتتضمن دلالة الخصب والعطاء وقابلية النمو. والروابط بين هذه الثنائيات هي أيضا تتضمن دلالات عميقة ومتشعبة وفي الوقت نفسه تمثل الثنائيات الاجتماعية ذات الطابع المتغير والصفة التاريخية:
1- دلالة مباشرة مشخصة محسوسة.2- دلالة اجتماعية مغلفة.3- دلالة تاريخية منضوية في ثنايا الدلالتين الأخريين. الدلالة المباشرة المشخصة المحسوسة هي( الفتاة والشاب) وهذه بدورها تعد ثنائية وترتبط فيما بين طرفيها بخيط خاص- عام في آن معا.. وإذا ما وقفنا أمام ثنائية ( الفتاة والشاب) نجدها في بنيتها الداخلية تتشظى وتتفتق عن دلالات أخرى.
د. عبدالله سعيد باحاج سطر بدوره في باب( فنارات) موضوع بعنوان (الأربطة والزوايا والمساجد في رحلات أبن بطوطة) مقسما مبحثه إلى ثلاثة محاور معرفا في الأول عن ابن بطوطة وكيف كانت رحلاته. وفي الثاني ملخصا نظرة عامة حول أهمية الأربطة والزوايا وتطورها في التاريخ الإسلامي. مستعرضا في المحور الثالث والأخير أهم الأربطة والزوايا والمساجد التي ذكرها ابن بطوطة في رحلته من طنجة إلى مكة المكرمة مروراً بالمغرب العربي ومصر و فلسطين وبلاد الشام والحجاز. معرفاً في هذه الأثناء الأربطة في التاريخ بكونها ملتقى للدعاة والمجاهدين المسلمين المكلفين بحراسة الثغور البحرية والبرية من هجمات الأعداء، وكذلك لتدريب وتجهيز وإعداد القوات العسكرية للفتح ونشر الإسلام.
وفي باب( موارد) نشرت سلسلة من روائع القصائد لشعراء عظام أبرزها بشيش عا أم اللبن لحسين أبو بكر المحضار، وما قلت لا وإلا نعم لأحمد سالم البيض، وقلوب الناس لسالم احمد بامطرف والعند ما يفيد لعبد القادر محمد الكاف، وجميلي زرعته لسعيد يمين عبدالله، وذا فصل ضاعت حمامة لسعيد مبارك مرزوق، والميزر النبوت لحداد بن حسن الكاف.
وفي باب (ذاكرة) قصيدة للشاعر محمد بن احمد بن هاوي(سراجين) بعنوان في السفر تعبان، يقول في مطلعها:
فصل سمعوا كلامي يا بني حضرم كمين واحد سافر ضاع وتهيم
ولعاد لحقوا خبر منه إلما الآن
يا الحضرمي دوب وقتك في السفر تعبان
سنين تعبر وهو طائر مثل الطير من أرض لا أرض يتنقل يدور خير
عبرت حياته ولا شي فصل عنده بان
ثلثين في الشعب إلا هو هام وتشرد باقي الثلث وثلث مضغوط ومهدد
ويفرحونه إلما تجي شركة بان
حد في السواحل يضلي يكد بالمعرض وحد بجدة مثيل الذيب يتقنص
وحد لقى بيع وشرأ في حطب ولبان
وحد بأرض الحبش عاللحم وأكل القات لا قلت له بت بلادك قال مانا بات
وفي باب(هواجس) تتفرد قصيدة" شاعر الحارة" للشاعر حسين عبد الرحمن باسنبل.
وفي باب ( إبحار) أبحرت آفاق التراث الشعبي في ذاكرة شيخ الفنانين سعيد عبدالنعيم متفردة بنشر حوار هاتفي أجراه الصحفي الفني صالح حسين الفردي الذي يعود في باب (تداعيات) ليسطر مقال بعنوان بومسلم بين الشحري باسنبل، وإلى جانبه يكتب الفنان والصحفي أنور الحوثري عن لهجتنا الجميلة ولفتات الفنان الراحل بدوي زبير.
ختام المجلة باب( نوادر) ويتضمن قصيدة بليغة للمعلم عوض احمد حميدان عنوانها" قضية الشاه".








